مساجد الجزائرمعرض الصور

مسجد البوحميدي الولهاصي بمنطقة ولهاصة الساحلية بمدينة سيقا (أرشقول الإسلامية)

تعريف عام بمنطقة ولهاصة:

تقع منطقة ولهاصة على الشريط الساحلي الغربي للجزائر في أقصى الحدود الغربية الشمالية لولاية عين تموشنت، يحدها شمالا البحر المتوسط، غربا جبال ترارة بأهم تجمعاته، بلديات بني وارسوس وبني خلاد وهنين ولاية تلمسان، جنوبا: بلديتا الأمير عبد القادر والرمشي (هذه الأخيرة تابعة لولاية تلمسان، شرقا وادي تافنة بلدية بني صاف).

وقبيلة ولهاصة هي قبيلة تقطن الغرب الجزائري وتحديدا غرب ولاية عين تموشنت، تمتد ديارهم من غرب مدينة بني صاف إلى حدود منطقة هنين مقر قبائل ترارة الكومية، وهو إقليم يسكنه منذ القدم قبيلة ولهاصة أبناء ولهاص بن يطوفت بن نفزاو من شعوب نفزاوة، وهم اليوم قبائل عربية وبربرية مستعربة.

تاريخيا وبالرغم من أن جذور مدينة سيقا (أرشقول الإسلامية) ضاربة في التاريخ إلا أن أول ذكر للمدينة كان في فترة الغزو الروماني لشمال أفريقيا القرن الأول قبل الميلاد، وعلى امتداد حوالي 700 سنة خضعت المدينة للسيطرة الأجنبية، من الحكم الروماني إلى فترة غلبة الوندال على بلاد المغرب القديم وصولا إلى الاحتلال البيزنطي، لكن طيلة تلك الفترة لم ينعم المحتلون بالسلم والهدوء فالمنطقة كانت موطنا لقبيلة زناتة وفروعها (مغراوة، مغيلة وبني يفرن وهي قبيلة بربرية بترية معروفة بنزعتها الاستقلالية وعدم قابليتها للخضوع الأجنبي، أما في الفترة الإسلامية فبتتبع خطوات الفتح الإسلامي للمنطقة، من عهد أبي المهاجر دينار 7 مرورا بمسيرة عقبة ابن نافع وولاية موسى ابن نصير، وصولا إلى عهد الولاة الأمويين، من خلال أمهات المصادر التاريخية والجغرافية، فإننا لم نجد أي ذكر للمنطقة فيها، ويرجع الأمر في اعتقادي إلا كون أغلب المناطق التاريخية الواقعة على الشريط الساحلي لبلاد المغرب، إنما تأسست كمراكز تجارية للفينقيين أو كموانئ للرومان والبيزنطيين، ولم يكن لها أي دور هام في الأحداث السياسية والتاريخية خلال الفترات الأولى من الفتح الإسلامي، نتيجة انحصار النزاع والمعارك بين الفاتحين المسلمين والبربر في المناطق الداخلية، وبعد أسلمة المنطقة ارتبطت الأحداث في المنطقة ارتباطا وثيقا بما كان يحدث في تلمسان خاصة، فأضحت المنطقة قطاعا تابعا للحكم الأموي في دمشق، ثم لحكم العباسيين في بغداد.

دراسة وصفية معمارية لمسجد البوحميدي

يقع المسجد في مدخل قرية الهداهدة أو قرية بوجرة كما تسمى، نلج له عبر مدخل واحد مقابل لمدخل المسجد الجديد المقام حديثا، ويؤدي نفس المدخل إلى المسجد العتيق الآخر الذي ربما كان قد شيد خلال فترة الاحتلال الفرنسي أو نحو ذلك.

وممن تصدى للتعليم بالمسجد بداية من سنة 1830م إلى غاية وفاته عام 1845م فهو سيدي عبد القادر وأما عن نسب هذا الأخير فهو عبد القادر بن يوسف بن محمد بن عبد القادر بن علي بن يوسف بن محمد بن يوسف بن عبد الرحمان القصري الفاسي المتوفى عام 1007هـ.

ويعتقد أن خليفة الأمير عبد القادر القائد البوحميدي الولهاصي درس بهذا المسجد، كما يشاع أن الأمير عبد القادر قد مكث فيه مدة من الزمن.

يتألف المسجد من قسمين أساسين هما بيت الصلاة والرواق الأمامي، حيث يتقدم بيت الصلاة رواق مسقوف موازي للجدار الشرقي لهذه الأخيرة بني نصفه الأيمن بجدار توسطته نافذة مستطيلة الشكل، في حين قسمت دعامتين النصف الأيسر المتبقي إلى ثلاث مداخل، تم تسقيف الرواق بسقف قوامه ملاط من التربة الجيرية وبعض المثبتات الطبيعية النباتية والحيوانية محمولة على طبقة من القصب العمودي على الرواق، وتم حمل القصب على عوارض خشبية موازية للرواق المتقدم، ودعمت هذه الأخيرة بأوتاد خشبية، وهذا التنظيم التسقيفي للرواق هو نفسه الذي يغطي كامل المسجد، وشكلت فتحة المحراب خارجا بروزا بالجدار القبلي بمنتصف الرواق على شكل كتلة مربعة الشكل مقببة من أعلى، وفتح بالجانب الأيمن لهذا البروز نافذة خشبية من مصراع واحد، في حين فتح على يساره المدخل، ويتوسط المحراب جدار القبلة.

وقد جاءت قاعة الصلاة بهذا المسجد وفقا لما يصطلح عليه أثريا ومعماريا الطراز المحلي، تمييزا له عن طراز المساجد الوافد من تركيا والمشرق خلال الفترة العثمانية وهي نفس الفترة التّي أنشأ خلالها هذا المسجد، وهذا الطراز المحلي التقليدي قائم في أصله على نظام الأعمدة والدعامات، سواء كانت هذه المساجد بصحن أو بدونه، ويغطى بسقف مسطح مستوي أو مائل وهو يعوّض الصّحن أو الباحة المشهورة ببعض المساجد العثمانية الواقعة داخل النّسيج الحضري حسب ما ذكرته الأستاذة ليهم زينب قائلة:” بالنسبة للمساجد الريفية، وكما سبق أن أشرنا أن معظمها تأتي خالية من هذا العنصر المعماري الهام تقصد الصحنمّا المحراب فهو نصف الأسطوانة أو التجويف الجداري الذي يعلو رأسه نصف كرة تسمّى الطّاقية أو الطّاسة أو الصَّدفة حسب طبيعة الزّخرفة، ويتوسط غالبا جدار القبلة الذي يقابل اتّجاه الكعبة المشرّفة.

أصل التسمية

محمد أبو عبد الله البوحميدي مرابط من ولهاصة، ولد سنة 1227هـ / 1812م، وقيل 1226هـ/1811م بأحد مداشر ولهاصة، وكما جرت عادة صغار ذاك الزمان فقد تعلم مبادئ الكتابة والقراءة في كنف العائلة، وكذا حفظ القرآن الكريم في المسجد الأثري الباقي ليومنا هذا بمدشر الهداهدة، ويسمى باسمه “مسجد البوحميدي”، وتدرج في علوم الفقه والشريعة والتفسير حتى اشتهر فيهما، زد على هذا كله هوايته للفروسية ومختلف فنون القتال حتى تصدرهما في المنطقة، يُعتقد أنه التقى مع الأمير عبد القادر في وهران أثناء دراسته من الذين تحدثوا عن البوحميدي و ميزاته وأخلاقه نجد شارل أندري جوليان، المؤرخ الفرنسي الشهير الذي قال عنه أنه اتسم بالشجاعة والعزيمة الصادقة والرأي السديد وذو حنكة عسكرية وسياسية كبيرة، وأضاف جوليان أن الأمير عبد القادر كان يصف البوحميدي بالنفوذ على منطقة تلمسان نظير الصلابة و الفطنة التي امتاز بها وهو من أفضل الفرسان قيادة وعدة.

لقد تم تشكيل مقاطعتين إداريتين من طرف الأمير عبد القادر بعد معاهدة تافنة مقاطعة معسكر وعلى رأسها ابن التهامي ومقاطعة تلمسان وعلى رأسها محمد البوحميدي الولهاصي، تأكيدا لتعيينه أي البوحميدي قبل ذلك كخليفة للأمير في الغرب الجزائر بعد مبايعته البيعة العامة في فيفري 1833م، وامتازت مقاطعة تلمسان بامتدادها الواسع، وبكونها منطقة حدودية ونقطة عبور وما تمثله هذه الأخيرة من أهمية إستراتيجية اقتصادية وتجارية.

ولابد أن نشير إلى أن هذا التثبيت في المنصب من طرف الأمير للقائد البوحميدي لم يأت من فراغ، بل أملته الظروف المحيطة والخصال التي تمتع بها هذا الأخير، خاصة و أنّ البوحميدي كان في تنافس مع محمد بن نونة الذي كانت له رغبة ذاتية في تقلّد هذا المنصب، وقد أشار إلى ذلك يوهان كارل بيرنت الأسير الألماني.

نقلا عن مجاهدي إبراهيم، بن سنوسي بوزيان، مسجد البوحميدي الولهاصي بمنطقة ولهاصة الساحلية “دراسة أثرية”، مجلة العلوم وافاق المعارف، جامعة الأغواط – الجزائر

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى