مسجد مولاي إدريس بمنطقة تيانت، بالغزوات بتلمسان

مسجد مولاي إدريس بمنطقة تيانت، بالغزوات بتلمسان
يقع مسجد “مولاي إدريس” بمنطقة تيانت”، التي توجد بالغرب التلمساني، وهي بلدية تابعة لدائرة الغزوات، تتميز بطابعها الفلاحي وتبعد عن البحر بـ 7 كلم، وترتفع عن مستواه بـ 270 متر أما عن حدودها الجغرافية فيحدها من الشمال الغزوات من الغرب السواحلية، ومن الشرق ندرومة أما من الجنوب جبالة (تيانت).
وتيانت القديمة (القرية) هي التي يوجد بها مسجد مولاي إدريس، وقد احتل المسجد موقعا استراتيجيا هاما ذلك أنه جاء مبني على كتلة صخرية، تحيط به مجموعة من المباني القديمة كالمساكن والأضرحة، وهذا مما جعله يتوسط القرية ذات التجمع السكاني المعتبر.
لم تشر المصادر التاريخية إلى تاريخ تشييد المسجد وأصل تسميته باستثناء روني باسي René Basset صاحب كتاب ندرومة وترارة الذي قدّم لنا بعض المعلومات عن المسجد، وإن كانت شحيحة، حيث يرجع تاريخ بناؤه إلى الفترة العثمانية، وينسب تشييده إلى باي بايلك الغرب محمد الباي الكبير بوهران (1972)م، 1858-1857، الذي كانت تربطه علاقة صداقة بمولاي قندوز الذي هو دفين الضريح المجاور لمسجد مولاي إدريس”، واستنادا إلى هذه المعطيات يمكننا ترجيح بنائه في الفترة الممتدة بين 1193-1213هـ / 1779-1798م، ولكن تاريخ المئذنة يعود حسب روني إلى الفترة الفرنسية1901م.
أما عن أصل تسمية المسجد، فإننا نجهل مصدر تسميته بهذا الاسم، ولكن ربما يكون تخليدا لأحد الأمراء الأدارسة، وهو عبد الله الترناني بن إدريس بن محمد بن سليمان الذي كان يحكم حسب ما أشار إليه البكري منطقة ترنانا قرية جبالة القريبة بمنطقة تيانت خلال القرنين الثاني والثالث.
يتألف المسجد من عدة فضاءات معمارية مختلفة، تتوزع هذه الأخيرة على مساحة معتبرة، كما نسجل غياب بيت الوضوء الذي لا يوجد له أثر في المسجد، ويتخذ مسجد “مولاي إدريس شكلا غير منتظم يتألف من بيت للصلاة وصحن وقاعات متعددة ملحقة به، منها ما هي ملاصقة للمسجد، ومنها ما تأخذ موقعها بالطابق العلوي على بعد أمتار من المسجد، واستغلت هذه القاعات للتدريس وتحفيظ القرآن الكريم، كما ترتفع المئذنة بجوار المسجد.
ويمتد بيت صلاة مسجد مولاي إدريس عرضيا ويتخذ شكلا مستطيلا، عرضه 13م وعمقه 10م يتكون من أربعة أساكيب موازية الجدار القبلة، ويتأكد من خلال العناصر المعمارية (التسقيف والركائز) ومواد البناء، أن الأسكوبين الأخيرين حديثا العهد، ويبلغ اتساع كل أسكوب بحوالي 2م، كما يوجد فضاء في الركن الغربي يرتفع عن الأرضية بحوالي مقدار 0.75م، وهو خاص للنساء، أما عن قدرة الاستيعاب لهذا المسجد تقدر بحوالي 147 مصلي، هذا وبالاعتماد على النظرية التي سبق وأن أشرنا إليها.
والصحن هو أهم عنصر في المبنى الإسلامي، فهو فضاء داخلي مكشوف نحو السماء، نحوه جميع أبواب ونوافذ المبنى ومن خلاله تتم إضاءة وتهوية الفضاءات الداخلية.
يأخذ الصحن موقعه بجوار بيت الصلاة بالجهة الشمالية الشرقية على غير التقاليد المعمارية المألوفة في عمارة المساجد، حيث يكون الصحن عموما متقدما بيت الصلاة في الجهة الشمالية الغربية، جاء الصحن في هذا المسجد في شكل غير منتظم ولا تحيطه أروقة، بل تجاوره مجموعة من الحجرات من الجهتين الشمالية الشرقية والشمالية الغربية، ويطل على الشارع من الناحية الجنوبية الشرقية، وتم فتح حنية المحراب في جداره القبلي، والتي تأخذ شكل العنزة المعروفة في العمارة الإسلامية، توظف هذه العنزة لأداء الصلوات في أيام الحر، وتحمل فتحة المحراب نصا كتابيا يشير إلى تاريخ تأسيسه بالإضافة إلى آية قرآنية، والنص كما يأتي “فَوَلَ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ 1370هـ -1961م.
ويوجد بمسجد مولاي إدريس أربع حجرات، اثنتان منها في الطابق الأرضي، أما الأخريان ففي الطابق العلوي، فبالنسبة للحجرة المجاورة الموجودة في الجهة الشمالية الغربية للصحن فيتم الولوج إليها عن طريق سلم صاعد يتكون من أربع درجات، وهي ذات تصميم غير منتظم قريبة من المستطيل (8.5 م 3.5م)، ولإضاءة وتهوية هذه الحجرة تم فتح كوتين كوة غير نافذة مخصصة لحفظ الأغراض، وكوة نافذة مستطيلة الشكل تطل على الصحن.
وتقع الحجرة الثانية خلف جدار القبلة لبيت الصلاة، وفي الجهة الجنوبية الغربية للصحن، ويتم الولوج إليها عن طريق سلم نازل يتشكل من خمس درجات، وهي ذات تصميم غير منتظم الشكل قريب من المستطيل، نلج إليها عن طريق باب خشبي، وتأمن إضاءة وتهوية هذه الحجرة فتحتان مستطيلتا الشكل على شكل مزاغل تطلان نحو الخارج من الناحية الجنوبية الشرقية كما فتحت في الجدران الداخلية للحجرة من الداخل كوتان غير نافذتين جدارتين كانت تستخدم الوضع الأغراض، ويتم الصعود إليهما عن طريق سلم يتألف من ثمانية درجات ينطلق بمحاذاة الحجرة الشمالية الشرقية، يتم الدخول إلى هاتين القاعتين عن طريق باب ذي مصراعين من الخشب، ويفصل القاعتين جدار، فأما القاعة اليمنى فمستطيلة الشكل ويبلغ طولها حوالي 9م وعرضها 5م، وأما اليسرى فمستطيلة الشكل ويبلغ طولها بحوالي 8م وعرضها 4م، وفتحت في جدرانهما نوافذ من الحجم الكبير، وتنفرد القاعة اليسرى بوجود كوة غير نافذة في جدارها الشمالي الشرقي.
ويعرف المدخل اصطلاحا بأنه فتحة قائمة في سور المدينة أو الحصن، وفي واجهة المنزل أو القصر أو المسجد
يوجد بمسجد مولاي إدريس خمسة مداخل رئيسية، تتوزع على النحو الآتي مدخل في الجهة الشمالية الشرقية يؤدي إلى فضاء مستطيل الشكل، ويقابله مدخل آخر يفضي إلى الصحن ومدخل آخر في الواجهة الشمالية الغربية يؤدي إلى الصحن عن طريق ممر ضيق، أما المدخلان الآخران فيؤديان إلى بيت الصلاة ويقعان في الجهة الشمالية الشرقية.
يعلو المدخل الأول ظلة حديثة مبنية بالإسمنت، وبهذا المدخل باب ذو مصراعين من الخشب يبدو أنهما قديمان، ويعلوه عقد حذوي منكسر، كما يحيط بالمدخل إطار بارز يعلوه صف من البلاطات الخزفية التي تبدو قديمة العهد، أما عن المدخل الثاني فهو ذو عقد حذوي، والذي أيضا من خلاله أيضا نلج إلى بيت الصلاة.
والمحراب هو صدر البيت، وأكرم موضع فيه، وهو أيضا الغرفة.
ويبدو محراب مسجد مولاي إدريس على هيئته المعمارية الحالية أنه ما زال يحافظ على شكله الأصلي، على الرغم من الترميمات والإصلاحات المتتالية التي طرأت عليه، حيث جاء متوسطا جدار القبلة، وهو عبارة عن حنية ذات شكل نصف دائري عرض فتحته 0.90م، وعمقه 1م، يعلوه عقد حذوي منكسر وغطيت الحنية من الداخل بقبة صغيرة، ويحيط بفتحة المحراب إطار مستطيل مشكل من صف من البلاطات الخزفية التي يبدو بعضها حديثة العهد، ويلي البلاطات الخزفية شريط مستطيل الشكل ومقعر، ولابد من الإشارة إلى أن المسجد لا يحتوي على منبر.
وقد اعتمد البناء في حمل سقوف المبنى على عنصر الدعامة التي اتخذت في المسجد شكلا مربعا، حيث بلغ عددها في بيت الصلاة ثلاثة عشر دعامة، وتبدو الدعامات العشرة الموجودة في البائكتين الأوليتين الموازيتين الجدار القبة أصلية، على خلاف الدعامات الثلاث في البائكة الأخيرة، التي تعد مستحدثة، كما سبق وأن أشرنا إلى ذلك سالفا، يتوسط بيت الصلاة ست دعامات، أربع منها نصف مدمجة، في كل من الجهتين الشرقية والغربية للمسجد.
والعقد عنصر معماري مقوس، يعتمد على نقطة ارتكاز واحدة أو أكثر، ويشكل فتحات البناء أو يحيط بها، ويبنى العقد من الحجارة أو الأجر والجريد في بعض الأماكن الصحراوية.
لقد حظيت العقود في العمارة الإسلامية بأهمية خاصة من طرف المعماريين الإسلاميين، ذلك لما لها وظائف بارزة في العمارة أيا كانت، فهي التي بدورها تحمل ثقل السقف وفي نفس الوقت اتخذها المعماريون كعنصر تزييني، وجاءت في أشكال متنوعة، وقد تكون أحيانا مركبة الواحد فوق الآخر مثل عقود جامع قرطبة بالأندلس.
لقد تنوعت أشكال العقود في مسجد مولاي إدريس، إذ استخدم العقد الحذوي المنكسر، فنجده يعلو حنية المحراب والمداخل الرئيسية للمسجد وبوائك بيت الصلاة، أما العقد الحذوي فقد تم استخدامه في المدخل الثانوي لبيت الصلاة ولكن يبدو أنه شهد نوعا من التغيير، كما نسجل حضور نوع آخر من العقود ألا وهو العقد المفلطح والذي نراه في الكوات الجدارية الموجودة في جدران المسجد.
والسقف، جمعه أسقف، وسقوف، وهو غماء البيت، وقد سقف البيت سقفا، والسماء شقفا على الأرض، وهو غطاء البيت وأعلاه المقابل لأرضيته.
بالنسبة لنوع التسقيف الذي بمسجد مولاي إدريس فهو من النوع المسطح الذي يظهر في شكل قبوات صغيرة من الداخل، وهذه التقنية استعملت في عهد الاحتلال الفرنسي.
والمئذنة هي الجزء الجوهري من كل مسجد، وهي بناء رأسي مرتفع يعلو في قمته صوت المؤذن، للإعلان والإعلام بحلول وقت الصلاة، عن طريق النداء ودعوة المسلمين إليها في أوقاتها الخمسة ويوم الجمعة، وقد عرفت العمارة المسجدية طرزا معمارية مختلفة لهذا العنصر.
تقع مئذنة مسجد مولاي إدريس” في الجدار الشمالي الشرقي للمسجد على يمين المدخل الرئيسي من الخارج، وعلى جهة اليسار من مدخل مصلى النساء، قاعدتها ذو شكل مربع، أي أنها تنتمي للطراز المعماري المربع الشكل الذي انتشر في المغرب الإسلامي ، وتتألف من قسمين رئيسين الأول سفلي وهو البدن الذي ينطلق من قاعدة مربعة الشكل طول ضلعها حوالي 3.60م، ويصل ارتفاع هذا البدن حوالي 13م، وأما الثاني فهو الجوسق (غرفة المؤذن قاعدته مربعة الشكل طول ضلعها 1.80م، ويبلغ ارتفاعه حوالي 2م يرتفع فوق بدن الجوسق قبة صغيرة بها سفود مزين في نهايته بنجمة وهلال، وتنفتح في جدرانه فتحات للتهوية والإضاءة. للمئذنة باب خشبي مفتوح في الجهة الجنوبية الشرقية، يقدر عرضه بـ 0.62 متر وارتفاع بـ 1.88 متر، تتألف المئذنة من الداخل من نواة مركزية مربعة الشكل طول أضلاعها (0.95×0.90) م)، يلتف حولها سلم صاعد يتكودن من 67 درجة، ويؤدي إلى الشرفة، ويتوج هذه الشرفة أربع شرافات في الأركان التي تبدو أنها حديثة العهد.
نقلا عن: إيشو عبدالحق، معروف بالحاج، مسجد مولاي إدريس الريفي بمنطقة تيانت القديمة دراسة أثرية، دراسات إنسانية واجتماعية، المجلد 10، العدد 02، الصفحة 441-456، السنة 2021.
https://asjp.cerist.dz/en/article/147793












