مسجد سيدي غانم بولاية ميلة، أول مسجد في الجزائر، ثاني أقدم مسجد في المغرب العربي

مسجد سيدي غانم بولاية ميلة، أول مسجد في الجزائر، ثاني أقدم مسجد في المغرب العربي
مسجد سيدي غانم هو المسجد الذي بناه الصحابي الجليل أبو المهاجر دينار سنة 680/60م، بمدينة ميلة على بعد 495 كلم شرق العاصمة الجزائرية.
موقع المسجد:
يقع مسجد سيدي غانم في مدينة ميلة القديمة داخل السور البيزنطي، تحديدا في الجهة الجنوبية الغربية من المدينة ويعرف هذا المكان اليوم بـ “الثكنة”، وقد ذكره البكري في كتابه المسالك والممالك: “ولمدينة ميلة باب شرقي يعرف بباب الريوس، وعلى مقربة منه جامعها وهو ملاصق لدارة الإمارة وباب جوفي يعرف بالباب السفلي…”، أما من الناحية الفلكية فتقع إحداثياته بين خط طول 30156 شرقا، ودائرة عرض 36°27′06 شمالا.
أسس هذا المسجد على يد الفاتح أبي المهاجر دينار سنة 680/60م، وقد ذكره أبو المحاسن تغري البردي في كتابه النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة: “…ثم افتتح أبو المهاجر المذكور ميلة، وكانت إقامته بها في هذا الغزو نحوا من سنتين..”، وأشار خليفة بن خياط في كتابه تاريخ الخليفة الخياط: “… وانتهى المهاجر إلى عيون أبي المهاجر وافتتح ميلة كانت إقامته في هذه الغزاة نحوا من سنتين، بمعنى أن أبا المهاجر فتح مدينة ميلة واستقر بها لمدة سنتين، وشيد بها مسجدا ودارا للإمارة.
وفي وقت الاستعمار الفرنسي، قام المستعمر بهدم منارة المسجد واستعمال حجارتها لبناء كنيسة ميلة الحديثة التي تحولت بعد الاستقلال إلى مسجد، وقد فقد مسجد سيدي غانم وظيفته الأصلية وحول إلى مستشفى وثكنة عسكرية، مع إضافة بعض العناصر المعمارية منها: السقف، والطابق العلوي… إلخ.
وصف المسجد
شهدت مدينة ميلة ازدهارا كبيرا خلال الفترة الرومانية، حيث كانت جزءا لا يتجزأ من الإقليم السيرتي، ولا يزال أثر الحضارة الرومانية واضحا في العديد من المباني، بما في ذلك مسجد سيدي غانم، حيث تم إعادة استخدام العديد من الحجارة والأعمدة الرومانية في بناء المسجد.
الحجارة الكبيرة المصقولة: هي عبارة عن حجارة كبيرة تم بناؤها بتقنية النظام الكبير، حيث تم وضع الحجارة فوق بعضها بعض دون استخدام مادة رابطة، وتعتمد هذه الطريقة في البناء على الضغط الميكانيكي (التراص)، حيث تتراوح أحجامها ما بين: طول: 77 سم العرض : 58 سم، سمك : 48 سم، وقد استخدمت في بناء الجدران الخارجية للكنيسة ثم أعيد استخدامها في بناء المسجد في فترة الفتوحات الإسلامية، ولاحظنا استعمالها في الجدار الذي وجد فيه المحراب القديم الذي عثر عليه في أثناء عمليات الإسبار، ولازالت تحافظ على شكلها الأصلي ولم تتأثر بشكل كبير بالعوامل المحيطة بها.
الأعمدة: تضم قاعة الصلاة 44 عمودا تتفاوت في الحجم والشكل، إذ تنقسم إلى أعمدة أسطوانية يبلغ عددها 15 وأخرى مربعة، إضافة إلى الأعمدة النصف دائرية المدمجة بالجدار الغربي تعود غالبية هذه الأعمدة إلى الفترة الرومانية، حيث أعيد توظيفها ضمن الهيكل المعماري للمسجد، وقد صنعت في معظمها من الحجر الكلسي، في حين بني بعضها الآخر باستخدام الأجر الأحمر والبني، ومن الناحية الإنشائية يظهر أن بعض الأعمدة لا تتبع المعايير النمطية للأعمدة الإسلامية، حيث وضعت بأسلوب مركب، ما يشير إلى استخدام قطع معمارية من منشآت سابقة، من بينها: أنصاب جنائزية وألواح تحمل كتابات تدشينية، وهي ظاهرة شائعة في عمائر الفترات الإسلامية المبكرة التي اعتمدت على إعادة استخدام المواد، وتتموضع الأعمدة على قواعد مربعة وأخرى دائرية، وقد تعرض بعضها لانزلاق عن محوره الأصلي، وذلك راجع للأسبار الأثرية التي أقيمت في المسجد والتي أدت إلى اختلال توازنها، إضافة إلى تأثير الزلازل لا سيما زلزال عام 2019م، الذي تسبب في إزاحة أحد الأعمدة بمقدار 15 سم، مخلفا شقوقا واضحة على مستوى قاعدته، وهو العمود الواقع في البلاطة العمودية على المحراب، تحديدا في صف البائكة الرابعة إلى يساره، ويعلو الأعمدة تيجان متنوعة الطرز، يرجح أنها تنتمي إلى الفترات الرومانية والبيزنطية، حيث نجد التاج الكورنثي بنوعيه البسيط والمركب إضافة إلى التيجان الأيونية والدورية، مما يعكس التنوع الأسلوبي الناتج عن إعادة التوظيف.
الأقواس: بلغ عددها في مسجد سيدي غانم تسعة وثلاثين قوسا، وقد تنوعت أشكالها ما بين نصف الدائري والمحدب، كما أنها تميزت بالبساطة وخلوها من الزخرفة، واستعمل في بنائها مادة الأجر الذي ينطلق من تاج العمود مشكلا قاعدته لتلتقي عند المنتصف على شكل نصف دائري أو محدب.
المحراب: يتوسط المحراب الجدار الجنوبي لقاعة الصلاة بدل أن يكون في اتجاه القبلة أي في الجدار الجنوبي الشرقي حسب الموقع الفلكي لشمال إفريقيا بالنسبة لمكة المكرمة، هذه الوضعية غير مألوفة في العمارة الدينية الإسلامية في الجزائر، حيث جرت العادة أن يُبنى المحراب في الاتجاه الصحيح نحو القبلة، ومع ذلك نجد لها بعض الأمثلة، كما هو الحال في المسجد الكبير بتلمسان الذي يعود إلى العصر المرابطي
المدخل الرئيسي للمسجد وزخرفته الكتابية وهو أحد العناصر التي يرجح أنها أضيفت خلال أعمال توسعته في إحدى الفترات التاريخية، حيث يبرز بطابعه البسيط والمميز بزخرفته الكتابية التي زينت جانبيه من اليمين واليسار، وقد تم تنفيذ هذه الزخرفة باستخدام الخط الكوفي المربع، وهو أحد الأساليب الخطية الهندسية التي تعكس الطابع المعماري الإسلامي، كما استخدمت مادة الآجر في كتابة النصوص، وقد تعرض جزء كبير من هذه الكتابات للتخريب، ولم يتبق منها سوى عبارة “بركة محمد”.
المئذنة لم يبق منها أي أثر، وقد ذكر بعض المؤرخين أنها كانت تحتوي على 365 درجا حسب عدد أيام السنة، وبلغ ارتفاعها 62 مترا، إلا أن الاحتلال الفرنسي قام بهدمها واستعمل حجارتها لبناء الكنيسة وسط مدينة ميلة، وبعد الاستقلال حولت إلى مسجد، ولم يعثر على أي مصادر تاريخية تبين تاريخ أو مكان المئذنة، ما عدا لوحة فنية للباحث الأثري الفرنسي (دولمار)، التي توضح أن المئذنة وجدت في الجهة الشمالية الشرقية للمسجد.
تغيرات المستعمر الفرنسي على المسجد
ومع دخول المستعمر الفرنسي إلى الجزائر عمل على طمس وتشويه كل المعالم الأثرية خاصة المعالم الدينية، وقد تجلى ذلك بوضوح في مسجد سيدي غانم، الذي شهد تغييرات وإضافات أثرت على قدسيته وغيرت وظيفته الأصلية.
الباب الموجود في الجدار الغربي يقع في الجهة الغربية للمسجد ويعود تاريخه للفترة الاستعمارية، حيث يؤدي للطابق الأول الذي استحدث فوق بيت الصلاة، وقد خضع لترميمات أثرت على طابعه الأصلي، وحاليا هو مدعم بألواح خشبية وذلك بسبب الحالة التي أصبح عليها.
الطابق الأول: تمت إضافة الطابق الأول خلال الفترة الاستعمارية، وهو يتكون من مجموعة من الغرف التي كانت تستخدم لأغراض مختلفة، حيث شغل جزء منه كمقر الإدارة الثكنة العسكرية بينما استخدم الجزء الآخر كمستشفى.
التسقيف: يعود هذا العنصر المعماري إلى الفترة الاستعمارية، وهو مشيد بأسلوب الجملوني، حيث صنع من الخشب والقرميد.
مصلحة حفظ الجثث تعود للفترة الاستعمارية، وهي عبارة عن رواق ملاصق للجدار الشمالي للمسجد على شكل سباط سقفه جملوني به صحن تطل عليه النوافذ التي تقع في الجهة الشمالية للمسجد، يبعد على المدخل الشمالي ب حوالي 6.04 م به أربع أقواس نصف دائرية ومتقابلة، أما العقدان الأوسطان فيحملان درجا يؤدي إلى الطابق الأول يتم الولوج إليه من خلال مدخل ذي باب حديدي يطل على الشارع من الجهة الشمالية للمسجد.
النوافذ أنشئت النوافذ خلال الفترة الاستعمارية حيث يتوزع عددها على مختلف جدران المسجد، إذ نجد خمس نوافذ في الجدار الشمالي، وسبعا في الجدار الغربي، وتسعا في الجدار الجنوبي، تتميز هذه النوافذ بتنوع أحجامها وأشكالها، وقد شيدت باستخدام مواد البناء التقليدية كالأجر والخشب، وسيجت بالشبابيك الحديدية.
غرف الراهبات تقع غرف الراهبات في الجهة الشمالية الشرقية من المسجد، وتتكون من طابقين حيث يشغل الطابق الأرضي مجموعة من الغرف، بينما يطل الطابق الأول على صحن المسجد، شيدت هذه الغرف خلال الفترة الاستعمارية باستخدام الإسمنت مما يعكس الطابع الوظيفي والبسيط للبناء، إذ كانت مخصصة لإقامة الراهبات اللواتي كن يعملن ضمن المنشآت التابعة للكنيسة أو الإدارة الاستعمارية آنذاك.
نقلا عن: معزوز شيماء، جامعة قسنطينة 2، التعاقب الحضاري والتركيب المعماري لموقع مسجد سيدي غانم -دراسة تاريخية أثرية، مجلة العلوم الاجتماعية والإنسانية، ص 13-30، العدد01، المجلد 26، سنة 2025.
https://asjp.cerist.dz/en/article/269319















