لمحةٌ تعريفيّةٌ بالوقف حسب المذهب المالكيّ والقانون الجزائريّ

لمحةٌ تعريفيّةٌ بالوقف حسب المذهب المالكيّ والقانون الجزائريّ
إعداد الدكتور بلبالي إبراهيم أستاذ بجامعة أدرار
تعريف الوقف
مشروعية الوقف
أركان الوقف
أنواع الوقف
أولا: تعريف الوقف
أ- تعريف الوقف لغة(1): اسم ومصدر؛ أما الاسم: فقد أطلق على السوار، وعلى الخلخال وعلى ما يستدير بحافة الترس من حديد وشبهه، وعَلَماً على أمكنة معينة، كما أطلق على ما وقف.
وأما مصدرا: فقد ورد لعدة معان يجمع بينها الحبس والمنع.
ب- تعريف الوقف في المذهب المالكي
عرف ابن عرفة من المالكية الحبس (2) “الوقف” في حدوده، فقال: « هو:
1ـ مصدرا: إعطاء منفعة شيء مدة وجوده لازما بقاؤه في ملك معطيه ولو تقديرا.
2ـ واسما: ما أعطيت منفعته مدة وجوده لازما بقاؤه في ملك معطيه ولو تقديرا »(3).
وعرفه الدردير في الشرح الصغير، فقد قال: « الوقف جعل منفعة مملوك ولو بأجرة أو جعل غلته لمستحق بصيغة مدة ما يراه المحبس»(4).
وعرف العدوي الوقف، – بمعنى الموقوف- في حاشيته على شرح الخرشي للمختصر فقال: « الوقف ما ينتفع به مع بقاء عينه حقيقة أو حكما كالدراهم والدنانير »(5).
ج- تعريف الوقف في القانون الجزائري:
1- تعريف الوقف في قانون الأوقاف الجزائري(6): عرفته المادة الثالثة (3)منه بأنه: « حبس العين عن التملك على وجه التأبيد والتصدق بالمنفعة على الفقراء أو على وجه من وجوه البر والخير ».
2- تعريف الوقف في قانون الأسرة الجزائري(7) جاء في المادة الثالثة عشرة بعد المائتين (213) منه ما نصه: « الوقف حبس المال عن التملك لأي شخص على وجه التأبيد والتصدق ».
3- وعرف المادة قانون التوجيه العقاري(8)، في المادة الواحدة والثلاثين (31) منه الأملاك الوقفية العقارية، فقال: « الأملاك الوقفية هي الأملاك العقارية التي حبسها مالكها بمحض إرادته ليجعل التمتع بها دائما تنتفع به جمعية خيرية أو جمعية ذات منفعة عامة سواء أكان هذا التمتع فوريا أو عند وفاة الموصين الوسطاء الذين يعينهم المالك المذكور ».
ثانيا: مشروعية الوقف
أ: مشروعية الوقف في الشريعة الإسلامية
1- أدلة مشروعية الوقف من القرآن الكريم
لم ترد أَيَّة آية في القرآن الكريم تدل دلالة خاصة على مشروعية الوقف، لكن الوقف هو نوع من أنواع الصدقات والإنفاق في سبيل الله، بل إن مصطلح الصدقة كثيرا ما يطلق ويراد به الوقف، فيقال صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصدقة أبي بكر وصدقة عمر، وصدقات الصحابة، حيث يراد بها أوقافهم(9).
والآيات الدالة على مشروعية الصدقة والإنفاق في سبيل الله كثيرة، فالوقف يدخل في عموم تلك الآيات، فمنها: قوله تعالى: ﴿ لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ﴾(10)، بل إن الرسول صلى الله عليه وسلم قد وجه أبا طلحة حينما أراد الامتثال لهذه الآية للوقف مباشرة، فقد روى البخاري ( أن أنس بن مالك قال: لما نزلت الآية ﴿ لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ قام أبو طلحة فقال: يارسول الله إن الله يقول: ﴿ لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ﴾ وإن أحب أموالي إلي بيرحاءُ، وإنها صدقة أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها حيث أراك الله، فقال: بَخٍ، ذلك مال رابح ، … وقد سمعت ما قلت، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين. قال أبو طلحة: أفعل ذلك يا رسول الله. فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه )(10).
ومنها: قوله تعالى: ﴿ ياأيها الذين آمنوا انفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون ﴾(11).
ومنها قوله تعالى: ﴿ مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم ﴾(12).
2: أدلة مشروعية الوقف من السنة
لقد وردت عدة أحاديث تدل على مشروعية الوقف، نصا وظاهرا،
فمنها: حديث أبي طلحة السابق ذكره، سأختار أربعة منها، أرى أنها الأبرز في الدلالة على الوقف.
ومنها: ما روي في صحيح البخاري ( عَنْ عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ خَتَنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخِي جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الحَارِثِ، قَالَ: مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ مَوْتِهِ دِرْهَمًا وَلاَ دِينَارًا وَلاَ عَبْدًا وَلاَ أَمَةً وَلاَ شَيْئًا، إِلَّا بَغْلَتَهُ البَيْضَاءَ، وَسِلاَحَهُ وَأَرْضًا جَعَلَهَا صَدَقَةً)13).
ومنها: ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما ( واللفظ للبخاري) ( عن ابن عمر رضي الله عنهما أن عمر بن الخطاب أصاب أرضا بخيبر، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم يستأمره فيها فقال: يا رسول الله، إني أصبت أرضا بخيبر لم أصب مالا قط أنفس عندي منه فما تأمر به؟ قال: إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها. قال: فتصدق بها عمر؛ أنه لا يباع ولا يوهب ولا يورث. وتصدق بها في الفقراء وفي القربى وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، ويطعم غير متمول)(14).
ومنها: ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أمر رسول الله بالصدقة، … وفيه: ” وأما خالد فإنكم تظلمون خالدا، فقد احتبس أدراعه وأعتده في سبيل الله …” (15).
ومنها: حديث سيدنا عثمان رضي الله عنه الذي ورد فيه شراؤه بئر رومة ووقفها، ونظرا لطول الحديث نكتفي بإيراد المحل الذي يستشهد به على مشروعية الوقف، جاء في سنن الترمذي: ( عن ثمامة بن حَزْن القشيري قال : شهدت الدار حين أشرف عليهم عثمان… فقال أنشدكم بالله والإسلام هل تعملون أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قدم المدينة وليس بها ماء يستعذب غير بئر رومة فقال: من يشتري بئر رومة فيجعل دلوه من دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة فاشتريتها من صلب مالي؟ فأنتم اليوم تمنعوني أن أشرب منها حتى أشرب ماء البحر، قالوا: اللهم نعم )(16).
ب – حكم الوقف في القانون الجزائري
لقد صدرت عدة نصوص قانونية في الجزائر منذ فجر الاستقلال، لتدل بمجموعها على أن القانون الجزائري يذهب إلى جواز الوقف، وأهم تلك النصوص:
دستور 1989(17) الذي اعترف في الفقرة الثالثة من مادته التاسعة والأربعين(49) بأن: «الأملاك الوقفية وأملاك الجمعيات الخيرية مُعترَف بها، ويحمي القانون تخصيصها ». فالأملاك الوقفية، نوع مستقل من أنواع الملكية في الدولة، وقد أكد ذلك أيضا دستور 2020(18) في الفقرة الرابعة من المادة الستين (60).
قانون الأوقاف الجزائري القانون رقم: 91-10 المؤرخ في: 12 شوال عام 1411هـ الموافق: 27 أبريل 1991، المعدل والمتمم بالقانون رقم: 01-07 المؤرخ في: 28 صفر عام 1422هـ الموافق: 22 مايو سنة 2001م(19) ثم بالقانون رقم: 02-10 المؤرخ في 10 شوال عام 1423هـ الموافق 14 ديسمبر سنة 2002 (20).
ولقد أصدر المقنن الجزائري في وقت مبكر بعد الاستقلال في 10 جمادى الأولى 1384ه الموافق 17 سبتمبر 1964م مرسوما تشريعيا رقم 64/283 متضمنا نظام الأملاك الحبسية العامة(21)، فجاءت مواده ببيان انقسام الأملاك الحبسية إلى أحباس عمومية، وأحباس خاصة وأهداف الوقف وشروط التوقيف، وشروط تعويض الملك المحبس المتلاشي، والجهة المخولة رسميا لإدارة الأوقاف العمومية، وغيرها من الموااد المتعلقة بالوقف.
كما تضمن قانون الأسرة الجزائري رقم 84-11 المؤرخ في 09رمضان عام 1404هـ الموافق 09 يونيو سنة 1984م المعدل والمتمم، في الفصل الثالث المعنون بـ”الوقف” من الكتاب الرابع منه المعنون بـ “التبرعات”، في المواد من 213 إلى 220. بعض أحكام الوقف ومنها: تعريفه، وشروط أركانه، وإثباته، ووجوب اتباع شروط الواقف، وغيرها من الأحكام.
ثالثا: أركان الوقف:
أركان الوقف في الفقه الإسلامي (المذهب المالكي) (22)، وفي قانون الأوقاف الجزائري(23) أربعة: الواقف، والموقوف عليه، والموقوف أومحل الوقف، والصيغة.
أ- الواقف
هو من يقوم بوقف ماله، قال ابن عرفة في حدوده: « المحبِّسُ هو من صح تبرعه وقبوله منه »(24)؛ بمعنى أنه يشترط فيه أن يكون عاقلا بالغا غير محجور عليه لسفه أودين، كما يشترط فيه أن بشترط فيه أن يكون مقبول التبرع فلا يقبل تبرع الكافر لقربة من قرب الإسلام.
ولم يضع قانون الأوقاف الجزائري تعريفا للواقف، وإنما ذكر ـ مباشرة ـ الشروط المتعلقة به في المادة العاشرة (10) منه فقال: « يشترط في الواقف لكي يكون وقفه صحيحا ما يأتي:
1ـ أن يكون مالكا للعين المراد وقفها ملكا مطلقا.
2ـ أن يكون الواقف ممن يصح تصرفه في ماله، غير محجور عليه لسفه أو دين ».
ب- الموقوف عليه:
الموقوف عليه هو الشخص أو الجهة التي تصرف لها منافع الوقف، جاء في حدود ابن عرفة: « المحبَّسَ عليه ما جاز صرف منفعة الحبس له أو فيه »(25). فهو الذي يجوز أن تصرف له غلات الحُبس، أو تصرف في مصالحه، سواء كان يأخذ منافع ذلك الحبس الآن بالفعل، أو سيأخذها مستقبلا.
ولقد عَرَّف قانون الأوقاف الجزائري في مادته الثالثة عشرة (13) الموقوف عليه بقوله: « الموقوف عليه في مفهوم هذا القانون هو شخص معنوي لا يشوبه ما يخالف الشريعة الإسلامية ».
وقد كان نص هذه المادة قبل تعديل القانون 91-10 المتعلق بالأوقاف المعدل والمتمم، بالقانون 02-10 كالآتي: « الموقوف عليه هو الجهة التي يحددها الواقف في عقد الوقف ويكون شخصًا معلومًا طبيعيًا أو معنويًا.
فالشخص الطبيعي يتوقف استحقاقه على وجوده وقبوله، أما الشخص المعنوي فيشترط فيه ألا يشوبه ما يخالف الشريعة الإسلامية ».
ج: المال الموقوف:
جاء في الشرح الصغير للدردير: « وَ[الركن] الثَّانِي: مَوْقُوفٌ: وَهُوَ مَا مُلِكَ مِنْ ذَاتٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ، »(26). فمحل الوقف عندهم كل ما هو مملوك للواقف.
وهذا الشرط ذكره قانون الأوقاف الجزائري في الواقف، كما تقدم. فيخرج به وقف الفضولي، ولو أجازه المالك، وسواء كان هذا المال المملوك للواقف عقارا او منقولا أو منفعة.
وأضاف شروطا أخرى في المادة الحادية عشرة (11/2،و3)منه فقال:
« ويجب أن يكون محل الوقف معلوما محددا ومشروعا.
ويصح وقف المال المشاع، وفي هذه الحالة تتعين القسمة ».
د: صيغة الوقف
الصيغة في الوقف هي الأداة الكاشفة عن رضا الواقف وإرادته إنشاء وقفه، كأن يقول الواقف: وقفت، أو حبست كذا أو يفعل فعلا يدل على الوقف كأن يبني مسجدا أو يشارك في بنائه، أو يفتح طريقا عاما في أرض يملكها.
وقد نصت المادة الستون (60) من قانون الأوقاف الجزائري على أنه: « يكون التعبير عن الإرادة باللفظ، وبالكتابة، أو بالإشارة المتداولة عرفا, كما يكون باتخاذ موقف لا يدع أي شك في دلالته على مقصود صاحبه… ».
رابعا: أنواع الوقف
يتنوع الوقف باعتبارات مختلفة، ترجع تلك الاعتبارات إلى الوضعيات التي تكون عليها بعض أركانه، أو الخلاف بين الفقهاء في بعض شروطها.
أ- تنوع الوقف المنبثق عن ركن الواقف ( الوقف الفردي والوقف الجماعي)
قد يكون الواقف منفردا وهو أكثر حالات الوقف، وقد يكون جماعة حيث يتم إنشاء وقف باشتراك بينهم، إما بوقف مال مملوك لهم فيقف كل منهم نصيبه، أو بالاشتراك في تأسيس وقف بدفع كل منهم نصيبا من المال، يجمع وينشأ به وقف.
ب- تنوع الوقف المنبثق عن ركن الموقوف عليه
يقول الشيخ محمد الطاهر بن عاشور الفقيه المالكي التونسي: « قسم فقهاؤنا الحبس باعتبار المحبس عليه إلى ثلاثة أقسام:
الأول: المحصور المعين ،كالحبس على زيد مدة حياته.
الثاني: المحصور غير المعين، كالحبس على أناس وذرياتهم.
الثالث: غير المحصور ولا يكون معينا وهو الحبس على من لا يحاط بهم كالفقراء والغزاة والقناطر والمساجد وطلبة العلم »(26).
وكان قانون الأوقاف الجزائري قبل تعديله بالقانون 02-10 ينص في المادة السادسة (6) منه على أن: « الوقف نوعان، عام وخاص:
أ- الوقف العام: ما حبس على جهات خيرية من وقت إنشائه، ويخصص ريعه للمساهمة في سبل الخيرات، وهو قسمان: قسم يحدد فيه مصرف معين لريعه، فلا يصح صرفه على غيره من وجوه الخير إلا إذا استنفذ، وقسم لا يعرف فيه وجه الخير الذي أراده الواقف، فيسمى وقفا عاما غير محدد الجهة، ويصرف ريعه في نشر العلم، وتشجيع البحث فيه، وفي سبل الخيرات.
ب- الوقف الخاص: وهو ما يحبسه الواقف على عقبه من الذكور والإناث أو على أشخاص معينين ثم يؤول إلى الجهة التي يعينها الواقف بعد انقطاع الموقوف عليهم ».
وعندما عدلت هذه المادة بموجب القانون رقم 02-10 أصبحت تعرف الوقف العام فقط؛ لأن القانون قصر تنظيمه عليه، وأخرج من دائرة تنظيمه الوقف الخاص، ولم يتغير مفهوم الوقف العام الذي كان قبل التعديل، ولذلك يكون هذا التقسيم للوقف باقيا في القانون، لأن القانون لم يلغ التقسيم، وإنما أخرج من دائرة تنظيمه الوقف الخاص.
ج- تنوع الوقف المنبثق عن ركن المحل (محل الوقف)
محل الوقف أصل يحبس، ومنفعة تستخلص من ذلك الأصل.
1- تنوع الوقف حسب طبيعة الأصل المحبس
يتنوع الوقف حسب طبيعة الأصل المحبس إلى عقار ومنقول ومنافع. والعقار عند المالكية هو كل ما لا يمكن نقله من مكان لآخر دون تغير في هيئته فيشمل ما لا يمكن نقله أصلا، كالأرض، وما يمكن نقله لكن بتغيير في هيئته، كالبناء بنقله يصير أنقاضا، والشجر بنقله يصير حطبا، أما المنقول فهو: ما يمكن نقله وتحويله من محل لآخر دون تغيير في هيئته أو صفته (28)، وأما المنفعة فقد عرفها ابن عرفة بقوله : « هي مالا يمكن الإشارة إليه حسا دون إضافة، يمكن استيفاؤه غير جزء مما أضيف إليه »(29).
فيخرج بقوله :” مالا يمكن الإشارة إليه حسا” الذوات، فإنه يمكن الإشارة إليها حسا دون إضافة، ويخرج بقوله: “يمكن استيفاؤه” المنافع التي لا يمكن استيفاؤها، كالعلم والحياة والقدرة، وخرج بقوله: “غير جزء مما أضيف إليه” نصف العبد أوالدار مشاعا ونحو ذلك(30).
فالمنفعة عند المالكية مال يمكن التعامل فيه(31)، ومن التعاملات التي تجري عليها الوقف.
وذهب المالكية إلى جواز وقف جيع المنقولات(32).
وقد حددت المادة الثالثة والثمانون بعد المائة السادسة (683) من القانون المدني الجزائري مفهوم العقار والمنقول بقولها: « كل شيء مستقر بحيزه وثابت فيه ولا يمكن نقله منه دون تلف فهو عقار ، وكل ماعدا ذلك فهو منقول »، وعليه فإن العقار في نظر القانون هو ما لا يمكن نقله من مكان لآخر أصلا وهو الأرض، أو ما لا يمكن نقله إلا بتلف فيه، كالبناء والشجر.
ويضفي القانون صفة العقارية على المنقولات الموضوعة في عقار رصدا لخدمته واستغلاله، ويسميها عقارا بالتخصيص(33).
ولم يضع القانون المدني الجزائري تعريفا للمنافع، والظاهر من مفهوم المال في الفكر القانوني أن المال إما مادي وهو العقار والمنقول، أو غير مادي وهو المنافع والحقوق.
وبذلك يكون القانون الجزائري موافقا للمذهب المالكي في اعتبار البناء والشجر من العقار ولو كانت مملوكة لغير مالك الأرض، كما يوافق الجمهور المالكية والشافعية والحنابلة في اعتبار المنافع نوعا من أنواع المال.
ولقد نصت الفقرة الأولى من المادة الحادية عشرة (11/1)من قانون الأوقاف على أنه: « يكون محل الوقف عقارا أو منقولا أو منفعة ».
2- تنوع الوقف حسب كيفية تحصيل منافعه :
يتنوع الوقف حسب كيفية تحصيل منافعه، أو من حيث المضمون الاقتصادي، كما قال الدكتور منذر قحف، إلى وقف مباشر، ووقف استثماري, وسمي الوقف المباشر -أيضا- الوقف الاستعمالي.
والمباشر أو الاستعمالي هو الذي يقدم خدمة مباشرة للموقوف عليه, كوقف المساجد، والمستشفيات، والسكنات للسكنى، أو المدارس على طلبة العلم، ونحو ذلك, أما الوقف الاستثماري -ويسمى أيضا الوقف الاستغلالي- فهو الذي يقدم منافع مادية للموقوف عليه, ويتمثل في الأموال الموقوفة لاستثمارات صناعية، أو زراعية، أو تجارية، أو خدمية لا تقصد بالوقف لذواتها، ولكن يقصد منها إنتاج عائد إيرادي، يتم صرفه على أغراض الوقف(34).
ويجوز وقف الكل في الفقه الإسلامي والقانون الجزائري.
د- تنوع الوقف المنبثق عن ركن الصيغة ( الوقف المؤبد والوقف المؤقت)
ذهب الفقهاء المالكية إلى جواز توقيت الوقت ولو بالشرط، فإن لم يشترط الواقف توقيته كان مؤبدا إلى أن ينتهي بانتهاء محله أو بانتهاء الجهة الموقوف عليها إذا كان الموقوف عليه معينا(35).
أما في القانون الجزائري فلقد نص قانون الأوقاف في مادته الثالثة (03) والتي عرفت الوقف على أن: « الوقف هو حبس العين عن التملك على وجه التأبيد …»، فجعل التأبيد جزءا من مفهوم الوقف وحقيقته، وهو ما أكدته المادة الثامنة والعشرون (28) بقولها: « يبطل الوقف إذا كان محددا بزمن ».
الهوامش والمراجع
ينظر في هذه المعاني: الأزهري: أبو منصور محمد بن أحمد، تهذيب اللغة، تحقيق: أ. عبد الكريم العزباوي، مراجعة: أ. محمد علي النجار، الدار المصرية للتأليف والترجمة، مطابع سجل العرب، القاهرة، دون رقم وتاريخ الطبع، 4/342 و9/333ـ334، وابن فارس: أبو الحسن أحمد بن فارس بن زكرياء، معجم مقاييس اللغة، تحقيق وضبط: عبد السلام محمد هارون، دار الفكر، بيروت، ط[1]، 1399هـ 1979م، 6/135، وابن منظور: أبو الفضل محمد بن مكرم بن علي جمال الدين، لسان العرب ، دار صادر، بيروت، ط(3) ، 1414هـ، 9/359-ـ360.
قال الرصاع: « الفقهاء بعضهم بعبر بالحبس، وبعضهم يعبر بالوقف، والوقف عندهم أقوى في التحبيس، وهما في اللغة لفظان مترادفان، يقال: وقفته وأوقفته، ويقال: حبسته » الرصاع: أبو عبد الله محمد، الهدايةالكافيةالشافيةلبيانحقائقالإمامابنعرفةالوافية، المعروف بـ ( شرح حدود ابن عرفة ) تحقيق: محمد أبو الأجفان، والطاهر المعموري، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط:1، 1993م، 2/539 .
ابن عرفة: أبو عبد الله محمد بن محمد، الحدود، بشرح أبي عبد الله محمد الأنصاري المعروف بالرصاع، (شرح حدود ابن عرفة ) المصدر السابق، 2/539 و 541.
الدردير: أبو البركات أحمد بن محمد بن أحمد، الشرح الصغير على أقرب المسالك للمؤلف (مطبوع مع بلغة السالك لأقرب المسالك، للصاوي)، ضبطه وصححه: محمد عبد السلام شاهين، دار الكتب العلمية، بيروت، ط:1، 1415هـ 1995م، 4/9-10.
العدوي: علي بن أحمد بن مكرم الله، حاشية على شرح الخرشي لمختصر خليل، طبع على هامش شرح الخرشي، المطبعة الكبرى الأميرية ببولاق مصر، ط(2)،1317هـ 2/205.
القانون رقم: 91-10، المؤرخ في 12 شوال عام 1411هـ الموافق 27 إبريل سنة 1991م، المتضمن قانون الأوقاف الجزائري، الصادر بالجريدة الرسمية لـ: ج ج د ش، عدد: 21، السنة: 28، بتاريخ 23 شوال عام 1411هـ الموافق 8 مايو1991م المعدل والمتمم.
القانون رقم 84-11 المؤرخ في 09رمضان عام 1404هـ الموافق 09 يونيو سنة 1984م المتضمن قانون الأسرة الجزائري، المعدل والمتمم، النسخة الالكترونية المنشورة على الموقع الالكتروني للأمانة العامة للحكومة الجزائرية، http://www.joradp.dz/HAR/Index.htm تاريخ الاطلاع: 28/02/2015.
القانون رقم: 90-25 ، المؤرخ في أول جمادى الأولى عام 1411هـ، الموافق 18 نوفمبر سنة 1990م، المتضمن التوجيه العقاري، الصادر بالجريدة الرسمية للج ج د ش، العدد 55 السنة27 بتاريخ: 2 جمادى الثانية عام 1411هـ، الموافق 19 ديسمبر سنة 1990م.
ينظر: ابن أبي زيد أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن، النوادر والزيادات على ما في المدونة من غيرها من الأمهات، تحقيق: أحمد الخطابي ومحمد عبد العزيز الدباغ، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط:1، 1999م ، 12/39، وابن رشد: أبو الوليد محمد بن أحمدالقرطبي، البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة، حققه: د محمد حجي وآخرون، دار الغرب الإسلامي، بيروت ط:2، 1408هـ 1988م ، 2/580، وللمؤلف: المقدمات الممهدات لبيان ما اقتضته المدونة من الأحكام الشرعيات والتحصيلات المحكمات لأمهات مسائلها المشكلات، تحقيق: الأستاذ سعيد أحمد أعراب، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط:1، 1408هـ 1988م، 3/482.
سورة: آل عمران، الآية: 91.
أخرجه البخاري: أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة ، في صحيحه،كتاب الوصايا، باب إذا وقف أرضا ولم يبين الحدود فهو جائز ، رقم: 2769، الجامع الصحيح”صحيح البخاري” شرح وتصحيح وتحقيق: محب الدين الخطيب، ترقيم: محمد فؤاد عبد الباقي، المطبعة السلفية ومكتبتها، القاهرة،ط:1، 1403هـ ، 2/296.
سورة: البقرة، الآية:254.
سورة: البقرة، الآية: 261.
أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الوصايا، باب الوصايا وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ” وصية الرجل مكتوبة عنده”، برقم 2739، الجامع الصحيح، مصدر سابق 2/286.
أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الشروط، باب الشروط في الوقف، برقم2737، الجامع الصحيح، مصدر سابق، 2/285. ومسلم: أبو الحسن مسلم بن الحجاج، في صحيحه، باب الوقف برقم: 1632، المسند الصحيح المختصر (صحيح مسلم )، تحقيق وترقيم: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي – بيروت، دون رقم وتاريخ الطبع، 3/1255.
أخرجه البخاري في: صحيحه، كتاب الزكاة باب قول الله تعالى: ﴿ وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله ﴾، رقم1468، الجامع الصحيح، مصدر سابق 1/455. ومسلم في صحيحهباب في تقديم الزكاة ومنعها، برقم 983، المسند الصحيح المختصر ، مصدر سابق، 2/676.
الحديث أخرجه الترمذي في سننه، باب مناقب عثمان رضي الله عنه، الترمذي، برقم 3703: أبو عيسى محمد بن عيسى بن سوره ، الجامع الصحيح وهو سنن الترمذي، مكتبة ومطبعة مصطفى بابي الحلبي وأولاده بمصر، ط:2، 1395هـ 1975م 5/627-628. قال الترمذي: هذا حديث حسن، وقد روي من غير وجه عن عثمان.
دستور الجزائر لسنة 1989 ، الجريدة الرسمية لج ج د ش العدد:9، السنة:26 23 رجب 1409هـ الموافق أول مارس 1989م.
دستور الجزائر 2020م
بعد تعديل دستور 1989م في 1996 أصبح هذا النص ضمن المادة 52، وبعد تعديله في 2016م أصبح ضمن المادة 64.
القانون رقم 01-07 المؤرخ في 28 صفر عام 1422هـ الموافق 22 مايو سنة 2001م، المتضمن تعديل قانون الأوقاف، الصادر بالجريدة الرسمية لـ: ج ج د ش العدد 29 السنة 38 بتاريخ 29 صفر عام 1422هـ الموافق 23 مايو سنة 2001م.
القانون رقم: 02-10 المؤرخ في: 10 شوال عام 1423هـ الموافق 14 ديسمبر سنة 2002م، المتضمن تعديل قانون الأوقاف، الصادر بالجريدة الرسمية لـ: ج.ج.د.ش العدد 83 للسنة 39 بتاريخ 11 شوال 1423هـ الموافق 15 ديسمبر سنة 2002م.
المرسوم التشريعي رقم:64-283 المؤرخ في: 10 جمادى الأولى 1384ه الموافق: 17 سبتمبر 1964م، المتضمن نظام الأملاك الحبسية العامة، الصادر بالجريدة الرسمية لـ: ج.ج.د.ش العدد: 35 للسنة الأولى، بتاريخ: 18 جمادى الأولى 1384ه الموافق: 25 سبتمبر 1964م.
ينظر من كتب المالكية: الدردير: الشرح الصغير، مصدر سابق، 4/12-13.
المادة التاسعة (9) من قانون الأوقاف الجزائري.
ابن عرفة: الحدود، مصدر سابق، 2/542.
ابن عرفة: الحدود، مصدر سابق، 2/542.
الدردير: الشرح الصغير، مصدر سابق، 4/12.
محمد الطاهر بن عاشور: الوقف وآثاره في الإسلام، ضمن: جمهرة مقالات ورسائل الشيخ الإمام محمد الطاهر بن عاشور، جمعها وقرأها ووثقها: محمد الطاهر الميساوي، طبعة دار النفائس، الأردن، ط(1)، 1436هـ 2015م، 2/918.
محمد أبو زهرة: الملكية ونظرية العقد في الشريعة الإسلامية ملتزم الطبع والنشر: دار الفكر العربي، القاهرة، بدون رقم وتاريخ الطبع، ص:60، وينظر من مصادر المالكية: الخرشي: حاشية الخرشي على مختصر خليل، مصدر سابق، 7/370، والدردير: الشرح الصغير ، مصدر سابق، 4/402.
ابن عرفة: الحدود، مصدر سابق، 2/521.
الرصاع: شرح حدود ابن عرفة، مصدر سابق ، 2/521.
محمد أبو زهرة، الملكية ونظرية العقد في الشريعة الإسلامية، مرجع سابق، ص: 52.
الخرشي: حاشية الخرشي على مختصر خليل، مصدر سابق، 7/399، الدردير: الشرح الصغير، مصدر سابق، 4/9-10.
تنظر: الفقرة الثانية من المادة 683 السابقة من القانون المدني الجزائري .
منذر قحف: الوقف الإسلامي, مرجع سابق, ص: 33.
الباجي: سليمان بن خلف، المنتقى شرح موطأ الإمام مالك، تحقيق: محمد عبد القادر أحمد عطا، منشورات محمد عي بيضون، دار الكتب العلمية، بيروت، ط[1]، 1420هـ 1999م، 8/48، ابن شاس: أبو محمد عبد الله بن نجم جلال الدين، عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة، تحقيق: د. محمد أبو الأجفان، وأ. عبد الحفيظ منصور، بإشراف ومراجعة: د. محمد الحبيب ابن لحوجة، ود. بكر بن عبد الله أبو زيد، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط:1، 1415هـ 1995م، 2/40




