مساجد الجزائرمعرض الصور

جامع حسن الباشا بوهران

جامع حسن الباشا بوهران

عرفت وهران ومنذ نشأتها الأولى سنة 290هـ / 903م وإلى غاية العام 1247هـ / 1831م بناء العديد من المساجد وخلال فترات متفاوتة، إلا أننا لا نعرف على وجه الدقة عددها على غرار باقي المدن الكبرى في الجزائر، لاسيما وأن أغلبها لم يسلم من التدمير والتخريب من جهة، والتحويل إلى كنائس من جهة أخرى خلال الاحتلال الإسباني الأول والثاني ثم خلال الاحتلال الفرنسي، والتي امتدت جميعها إلى ما يقارب الأربعة قرون كاملة، وما بقي من هذه المساجد وسلم من التخريب والتدمير والتغيير يرجع في شكلها الحالي إلى الفترة العثمانية حتى وإن بني بعضها على أنقاض مساجد أقدم عهدا، وهي جامع محمد بن عثمان الكبير وجامع الباشا ومسجد الإمام سيدي الهواري، يعود اثنين منها على الأقل إلى فترة الحكم العثماني الثاني والتي امتدت 390 سنة.

ومما لا شك فيه أن جامع الباشا الذي بني بعد التحرير النهائي للمدينة من الإسبان وبأمر من باشا الجزائر حينذاك حسن وقريبا من قصر الحكم كان هو عنوان الحكم العثماني بوهران والجامع الأعظم، حيث ظل يرتاده البايات والأغوات طيلة الفترة الثانية من حكمهم، والذي يعتبر المعلم الوحيد الباقي الذي شيد على طراز المساجد العثمانية ذات القبة المركزية، حتى يكون رمزا للتواجد العثماني بهذه المدينة على غرار ما كان عليه الحال في باقي مدن الجزائر، وهو الذي كان يسير حسب اعتقادنا وفق المذهب الحنفي.

موقع الجامع

يقع على الضفة اليمنى لوادي الرحى قبالة قصر الباي، عند شارع بن عمر بوتخيل شارع فيليب سابقا، والذي يلتف حوله من ثلاث جهات الشرقية والغربية والشمالية، أما من جهة الجنوب فيحده شارع “المسجد” شيده الباي محمد الكبير بأمر من الباشا حسن بعيد فتح وهران تخليدا لهذه الذكرى، وقد ذكر ذلك الزياني واحد من الكتاب المعاصرين للباي حيث قال: …. وقد بنى (يقصد الباي محمد الكبير الجامع المعزو للباشا حسن…”، كما أشار المزاري إلى ذلك قائلا: “…وبنى أيضا الجامع الأعظم المعروف بها بجامع الباشا للآن وهو حسن باشا……

وتوجد كتابة تذكارية تذكر تاريخ تأسيسه وتعطينا قائمة الحبوس الموقوفة على تسيير الجامع نقشت على لوحة رخامية معروضة الآن بمتحف وهران أحمد زبانة، ومما تضمنه النص: “…… قيدت هذه الأحباس في أواسط رمضان من سنة 1210هـ (1796م) في ولاية المنصور أبي الحسن السيد حسن باشا أيده الله”..

تاريخ بناء المسجد

شرع في بنائه مباشرة بعد فتح وهران عام 1207هـ / 1792م، وأشرف على أعمال البناء أمين البنائين محمد الشرشالي بن تدبيرت، وتم الانتهاء منه سنة 1210هـ / 1796م، وعلى الرغم من الترميمات والتعديلات التي تعرض لها المبنى منذ إنشائه؛ إلا أنه حافظ على طابعه الأصيل.

وغداة الاحتلال مباشرة أقام به فيلق للجيش الفرنسي، ولم يسلم إلى الجزائريين إلا عام 1835م، حيث ظل يؤدي دوره خلال تلك الفترة، وقد رتب ضمن المساجد ذات منابر الخطب الجمعة والعيدين بحسب التصنيف الذي أصدرته سلطات الاحتلال سنة 1851م والخاص بأهمية المسجد والمدينة الواقع فيها، له إمام ومفتي يتقاضيان مرتبهما من إدارة الاحتلال، وكان من بين بين الذين درسوا بالجامع ومارسوا الفتوي بالمدينة حميدة بن القائد عمر المتوفى سنة 1870م، ومن بعده الشيخ علي بن عبد الرحمن الذي يكون قد توفى سنة 1324هـ، إضافة إلى الشيخ حريزي سي الحبيب البخاري المولود حوالي العام 1830م الذي أحيل على التقاعد سنة 1907م، كما درس بجامع الباشا في بداية القرن العشرين كل من الشيخ رحال منور والشيخ عبد الرحمن رستان، وبعد الاستقلال استمر في أداء رسالته التي بني من أجلها.

وقد صنف الجامع كمعلم تاريخي يوم 6 أوت 1952م، أما مئذنته فصنفت قبل ذلك بتاريخ 29 ديسمبر 1906م، ليعاد تصنيفهما بعد الاستقلال بتاريخ 19 رمضان 1387هـ/13 .20 ديسمبر 1967م.

المؤسس

بالرغم من أن الكتابة التأسيسية الوقفية تنسب بناء هذا المعلم للباشا حسن إلا أن بانيه في حقيقة الأمر هو الباي محمد الكبير ثاني بايات وهران بعد الباي مصطفى المسراتي وأول باي يحكمها عقب التحرير الثاني والنهائي لها.

ولد محمد الكبير بمليانة في أواخر الثلاثينيات من القرن الثامن عشر على الأرجح، كان والده عثمان الكردي خليفة بمليانة ثم صار بايا بنيطري، ولما قتل والده في حربه مع ثوار عمور سنة 1170هـ تكفل بابنه محمد وباقي أفراد أسرته أبو اسحاق إبراهيم الملياني الذي تولى مكانه بالمدية. ثم زوجه ابنته وأشركه معه في أعمال الإدارة، ولما عين بايا لبايليك الغرب أخذه معد.

ونظرا لما كان يتمتع به الباي محمد الكبير من خصال وصفات وقدرة على الإدارة؛ عينه صهره الباي إبراهيم قائدا على قبائل فليتة عام 1178هـ/1764-1765م، واستمرت قيادته لها إلى غاية 1181هـ/ 1768م ، وفي ذات السنة رقاه الباي إبراهيم إلى منصب خليفة حيث أسند 18 له مهمة تسيير وإدارة شؤون الرعية المستقرة في القطاع الشرقي لبايليك الغرب واتخذ مقره بمليانة.

وبعد وفاة الباي إبراهيم عام 1185هـ / 1771م خلفه في منصبه الحاج خليل، وبعد وفاة هذا الأخير عين الباشا محمد عثمان مكانه محمد بن عثمان وذلك في 20 جمادى الثانية 1193هـ/5 .19 حويلية 1779م.

وعقب تعيينه شرع الباي الجديد مباشرة في إصلاحاته الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فمعسكر التي كانت عاصمة بايليك الغرب قبل تحرير وهران بلغت أوج عظمتها وشهدت أزهى أيامها تحت حكم الباي محمد الكبير الذي مكث فيها من عام 1193هـ/ 1779م إلى غاية عام 1206هـ / 1792م، وبها شيد المدارس والمساجد وأنشأ المرافق العامة، فقصدها العلماء وتقاطر عليها الطلبة، وأضحت حاضرة للعلم والمعرفة.

ويعتبر تحرير وهران والمرسى الكبير أعظم منجزات الباي؛ فهذه المدينة كانت خاضعة للاحتلال الإسباني ما يقارب ثلاثة قرون، وبالرغم من أن الباي مصطفى المسراتي فتحها عام 1119هـ / 1708م إلا أنها احتلت من جديد عام 1145هـ/1732م، ليعاد تحريرها من جديد ويدخلها الباي محمد الكبير بمعية جيشه يوم الاثنين الخامس من رجب 1206هـ/29 فبراير 21 1792م، ويتخذها من حينه عاصمة لبايليكه.

توفى الباي محمد بن عثمان الكبير في قيطنة أولاد خديم ببلاد صبيح بالشلف عام 1213هـ / 1799م، عند عودته من الجزائر، ويعتقد أنه مات مسموما، وحول الموضوع قال الزهار: وقيل في موت الباي محمد أن حسن باشا بعث إليه من سقاه سماء، وقيل إنه مات فجأة لأنه مات من غير مرض.

نقل جثمانه بعدها إلى وهران حيث دفن بمدرسة خنق النطاح التي بناها من قبل بأمر من ابنه وخليفته على القطاع الشرقي للبابليك عثمان بن محمد الذي ولاه حسن باشا بايا للغرب خلفا لأبيه.

أما من حيث المنجزات المعمارية فقد ذكرت المصادر التاريخية أن الباي محمد الكبير أنشأ وأصلح الكثير من المباني الدينية والمدنية والعسكرية، ففي معسكر وسع جامع السوق وأعاد بناء الجامع العتيق، وبنى جامع المبايعة والمدرسة التي كانت بجانبه، وبنا أيضا قناطر وسورا مشهورا وطبانتين للمدافع، وبنى قصرا جميلا، ونقل الماء بالقنوات إلى المدينة، كما بنى في تلمسان ومستغانم والجزائر مباني كثيرة بين مساجد ومشاهد ومدارس، وحدد المدرستين القديمتين بتلمسان، وبنى بالبرج الجامع الأعظم وجامع الكرط.

وفي مدينة وهران بنى الجامع الأعظم المعروف بجامع الباشا والحوانيت التي بإزائه وأسفله، وبنا يخلق النطاح مدرسة حولها إلى مسجد يعرف إلى اليوم باسمه، وبنا المئذنة الجميلة الجامع محمد بن عثمان بالمدينة القديمة، كما بني أيضا القصر المعروف باسمه، وكان له الفضل الكبير في إنشاء المدينة الجديدة على الضفة اليمنى من وادي الرحي، والتي تشكلت من ثلاثة أحياء مهمة جديدة وهي حي جامع الباشا والحي اليهودي درب اليهود إضافة إلى حي رجي الريح.

كما يكون الباي قد أنشأ فحص القليعية أمام باب الجيارة، وأسكن به السكان القادمين من قلعة بني راشد ابتداء من العام 1790م، إضافة إلى فحصي رأس العين الواقع جنوب حصن القديس فيليب وفحص خنق النطاح، وكان الهدف من إنشاء هذين الفحصين الأخيرين إسكان القبائل شبه الرحل من جهة، ومن جهة أخرى استيعاب الفائض من ساكنة وهران.

المظهر الخارجي

يمتد الجامع من الشرق إلى الغرب، وتبرز منه للعيان واجهتان الواجهة، الغربية المشكلة من مستويين (طابقين) نظرا للانحدار الذي يتخذه الموقع كلما اتجهنا إلى الغرب يتشكل الطابق الأرضي من مجموعة من القاعات كانت عبارة عن حواليت بناها الباي محمد الكبير وقفا للجامع، استغلت بعضها كميضأة هي الآن غير مستخدمة، إلى يمين الحوانيت توحد دار الباي حسن الملاصقة للجامع في ركنه الجنوبي الغربي بينما يبرز في الطابق الثاني النوافذ الخلفية لبيت الصلاة وعددها سبعة والمسيحة بشبابيك حديدية.

أما الواجهة الشرقية فهي عبارة عن سور نصف دائري طوله 55م، ويزيد ارتفاعه كلما توجهنا نحو الغرب، وينتهي في أعلاه بطنف بارز تنتظم عليه شرفات مسننة تتخللها قبيبات ثمانية الأضلاع ذات وظيفة زخرفية، وأما الواجهتين الشرقية والجنوبية فهي محجوبة ببناءات تعود كما يبدو في معظمها إلى فترة الاحتلال، وبعضها قد يعود إلى الفترة العثمانية إلا أنها غيرت بشكل جد كبير، ولا يبدو من الواجهتين إلا المئذنة الواقعة في الركن الجنوبي الشرقي ذات المسقط المضلع.

المداخل

يتخلل السور في منتصفه المدخل الرئيسي، وهو عبارة عن مدخل تذكاري أضيف خلال الاحتلال إلى جانب الحجرة التي تتقدمه يبلغ عرضه 2.63م ويصل ارتفاعه إلى 2.15م وقد حظي كما يبدو بعناية المعماري واهتمامه فواجهته الأمامية غنية بالزخارف المنتظمة حول عقد منكسر متجاوز محمول على عمودين مزدوجين.

يزدان ركنا المدخل الذي يبرز قليلا عن الحائط بعمودين طويلين يستندان على قاعدة مرتفعة، لهما – أيضا – تاجين ذواي أصول مغربية أندلسية، أما زخارف المدخل فهي عبارة عن ز عارف نباتية وهندسية وكتابية.

يكتنف المدخل الرئيسي على اليسار باب صغير يبدو أنه كان مخصصا لدخول الباي ووزرائه، أبعاده 0.75م عرضا و1.55م ارتفاعا، كما يكتنفه على اليمين مدخل آخر كبير استحدث بعيد الاستقلال، يصل عرضه إلى 2.05م بينما يصل ارتفاعه إلى 2.25 ذو عقد نصف دائري.

حجرة المدخل نلج عبر المدخل الرئيسي مباشرة إلى حجرة شبه مربعة تتوسط رواقي الصحن مساحتها 3.43م في 3.05م، لها باب غربي وآخر شرقي يفضيان إلى الرواقين عبر سلم نازل، أما من الناحية الجنوبية للحجرة فتوجد شبه شرفة تطل مباشرة على نافورة الصحن تكتنفها أربعة أعمدة رشيقة تحمل ثلاثة عقود ثلاثية الفصوص تحمل تيحان تذكرنا إلى حد ما بتيجان قصر الحمراء بغرناطة، إلا أن شكل المراوح وطريقة نقشها يبدو مختلفا كثيرا.

وللحجرة قبة جميلة ذات أضلاع ثمانية، يكتنف كل ضلع عرقان، تتقاطع جميعها عند قمة (مركز) القبة مشكلة من نجمة ثمانية الرؤوس، وفضلا عن ذلك يتضمن بطن القبة زخارف حصية متنوعة، وهي تقوم على منطقة انتقال تتكون من مثلثات ركنية ذات حزوز أفقية متوازية وتستند على بواتك معقودة بأربعة عقود.

الصحن والأروقة

يحتوي الجامع في جهته الشمالية على صحن مكشوف أضيف خلال فترة الاحتلال يأخذ شكل نصف قرص قطر دائرته 22.50م، وتقدر مساحته ب 3974م، يوجد على جانبيه الشمالي الشرقي والجنوبي الغربي رواقان اثنان يشكلان – إضافة إلى المدخل نصف دائرة عمقهما 3.67م وارتفاعهما 3.40م.

يتكون الرواق الأيمن من سبعة عقود منكسرة متجاوزة تحملها ثمانية أعمدة، نفس الأمر يتكرر بالنسبة للرواق الأيسر إلا أن عقده الأخير مصمت به باب لغرفة مستحدثة تحوي بترا داخلها.

يوجد بالصحن حوض ثماني الأضلاع تتوسطه نافورة يعلوها جوسق متصل من أحد جوانبه بقاعدة قبة حجرة المدخل محمول على عقود مشرشفة من جهاته الثلاثة المقابلة للصحن، وتعلو هذا الجوسق قبيبة ثمانية الأضلاع تقوم على منطقة انتقال تتكون من مثلثات ركنية ذات حزوز أيضا، يعلوها سفود بارز يحمل ثلاث كرات من البرونز وهلال.

بلط الصحن بقطع من البلاطات الحديثة، وهو مزين في وسطه بجنينتين صغيرتين كانت في الماضي تأخذ شكل الرئتين، ولئن كان الإشكال سابقا مطروحا حول الخاصية الفريدة التي تميز صحن الجامع وهو شكله نصف الدائري، شكل لم تعرفه مساجد المغرب الإسلامي والمشرق الإسلامي، وقد كانت الصحون من قبل مستطيلة الشكل أو مربعة أو – أحيانا- شبه منحرفة، لكن وبالاعتماد على مخططي رافوازي (Ravoisie) اللذان يعودان إلى ما قبل سنة 1843م، إضافة إلى بعض الرسومات القديمة، فإنه تأكد لنا أن هذا الصحن تمت إضافته خلال فترة الإحتلال وليس قبل ذلك، وترجح أن يكون ثم ذلك سنة 1864م أو قبلها بقليل، خاصة إذا علمنا أن المدخل الرئيسي تم استحداثه خلال السنة المذكورة، وعليه فإن الإشكال المشار إليه سابقا، وبعدما بينا أنه أضيف خلال فترة الاحتلال لم تعد حدوى من طرحه الآن، وعلى كل مشكل الصحن هذا والذي بنيت عناصره على الطراز الإسلامي أعطى للجامع ككل هيئة جميلة وإن كانت غير مألوفة.

لومن جهة أخرى فقد يكون لهذا الشكل دلالات رمزية أراد من خلالها المستعمر إبراز فكرة أو تصور معين.

بيت الصلاة

تدخل إلى بيت الصلاة من الصحن غير مدخل متقدم بنحو 50 سم عن الحائط عرضه 2.15م وارتفاعه 2.50م، يواجه قبة المدخل الرئيسي، مزدان بدعامتين مزخرفتين، تستندان على قاعدتين عاليتين تحمل تيجان شبيهة بالتاج الكورنثي يتوجهما عقد نصف دائري ذو شراشف، يعلوه شريط كتابي.

ويقابل هذا المدخل الرئيسي مدخل آخر في الجدار الجنوبي من بيت الصلاة عرضه 1.55م وارتفاعه 2.50م وعمقه 0.67م، كان مخصصا عقب الاستقلال لدخول النساء، ورغم أنه خضع للعديد من التغييرات أفقدته على ما يبدو شكله الأول، إلا أننا لا نشك في أصالته لاسيما إذا اعتمدنا على المخطط الذي وضعه “رافوازي”.

أما بيت الصلاة فيتخذ شكلا مربعا تقريبا طول ضلعه الشرقي 28.05م والغربي 28.57م والشمالي 27.70م والجنوبي 27.60م، وتقدر مساحته ب 781.35م، وهو يتكون من سبع بلاطات عمودية على جدار القبلة وسبعا موازية له، تقوم في وسط بيت الصلاة القبة المركزية ثمانية الأضلاع، طول أضلاعها يتراوح في الداخل ما بين 3.44م و3.82م، ويصل قطرها إلى 12.60م، تحملها ثمان دعامات وثمانية أعمدة مزدوجة وثمانية عقود منكسرة متجاوزة، تشكل في مجموعها مضلعا ثمانيا.

يحيط بالقبة المركزية اثنتا عشر قبة أصغر حجما، حيث يتراوح طول أضلاعها من الخارج ما بين 1.60م و1.70م، تقوم كلها على منطقة انتقال تتشكل من مثلثات ركنية ملساء، وجميعها خالية من الزخارف باستثناء القبة التي تتقدم المحراب والمزينة ببلاطات خزفية متنوعة فتح بما هي الأخرى أربع نوافذ.

وإلى جانب القباب استخدم في تغطية أروقة بيت الصلاة الأقبية المتقاطعة، وقد بدت جميلة في منظرها ومنسجمة في إنشائها، ونجد أسفل القبة المركزية الجامع الباشا الدكة، وهي ترتفع عن أرضية بيت الصلاة ب3.05م، ذات شكل مربع إذ يبلغ طول ضلعها 3.02م، وهي محمولة على أربعة أعمدة رخامية مركبة ترتكز عليها العوارض الخشبية الحاملة للدكة المحفوفة بدرابزين خشبية مزخرفة يصعد إليها بواسطة سلم خشبي يتكون من عشر درجات.

وللعلم فقد ظهرت الدكة لدواعي وظيفية في الأساس 35 36 فعليها كان يقوم المبلغ (المؤذن) بإقامة الصلاة، وبترديد تكبيرات الإمام وتسليمه وعبارة القيام من الركوع وغيرها مما يقتدى بالإمام فيه، والمقرئ بترتيل القرآن الكريم، كما أوكل لهؤلاء الذين يجلسون على الدكة وظيفة المديح النبوي الشريف ، وقد اختلف موضعها ما بين مسجد وآخر، فأحيانا تجدها في مقدمة بيت الصلاة وأحيانا في مؤخرته وأحيانا في وسطه، إلا أنها تقع جميعها على محور المحراب وكانت غالبا ما تصنع الدكك من الخشب لها درابزين خشبية، وتقام على أعمدة رخامية، 38 ويصعد إليها من خلال سلم خشبي .

أما عدد الدعامات التي ترتكز عليها عقود بيت الصلاة فوصلت إلى 16 دعامة ذات مسقط ثماني من حجمين مختلفين ذات ارتفاع يقدر ب 1.90م، وقد استخدمت هذه الدعامات، منفردة كما استخدمت جنبا إلى جنب مع الأعمدة، كما استعملت أعمدة كثيرة وصل عددها إلى 54 عمودا من بينها 24 عمودا مزدوجا، وهذه الأعمدة من نوعين:

النوع الأول: هي أعمدة ضخمة ملساء مشكلة من الحجارة طولها 1.90م وقطرها 0.35م تتكون من أيدان ملساء مغروسة في الأرض دون قواعد لها تيجان شبيهة بتيجان الدعامات منها ثمانية استعملت إلى جانب الدعامات الحمل القبة المركزية.

 النوع الثاني: هي عبارة عن أعمدة مركبة تتكون من جزأين رئيسيين سفلي ثماني الأضلاع وعلوي حلزوني، ارتفاعها 2.45م تحمل تيجان كورنثية علوها 29 سم، قسمه الأسفل مشكل من صف من أوراق الأكانتس، ومن جهة أخرى تجد المساحة الواقعة بين الحلزونيات الجانبية مؤثثة بعنصر نباتي يعلوه هلال يتصل جزء منه بالوسادة، عدد هذه الأعمدة سنة؛ اثنان منها يكتنفان المحراب من الجانبين بينما تحمل أربعة الدكة.

أما العقود المستعملة فأهمها العقد المنكسر المتجاوز، حيث استخدم داخل بيت صلاة جامع الباشا، وشكلت منه البلاطات وعقد المحراب وعقد المدخل الرئيسي، كما شكلت منه أروقة الصحن ويتوسط جدار القبلة المحراب الذي يكتنفه عدة أبواب فهناك باب على يمينه اتساعه 1.19م وعلوه 3م ننفذ منه إلى غرفة جد صغيرة يوضع بداخلها المنبر، وعلى يساره يوجد باب آخر قريب من الركن الشمالي الشرقي اتساعه 1.33م وعلوه 2.51م، له عقد مدبب.

بقي أن نشير إلى وجود باب صغير مصمت في أقصى الحائط الجنوبي قريبا من الركن الجنوبي الغربي اتساعه 0.91م وارتفاعه 1.72م، تؤطره دعامة مزخرفة بسمك 0.23م معقودة يعقد نصف دائري، أما النوافذ فتفتح في جميع حيطان بيت الصلاة وعددها 19 نافذة.

والجدير بالذكر أن مخطط جامع الباشا ينتمي إلى الطراز الوافد الذي جلبه العثمانيون معهم إلى الجزائر، ومع هذا الطراز الجديد الذي يمثله بيت صلاة جامع الباشا ذو القبة المركزية -تختفي البلاطة الوسطى الواسعة التي تعد من أبرز سمات المساجد الإسلامية لاسيما المغربية الأندلسية وقد ظهر في تركيا على يد المهندس المعماري سنان باشا 39، متأثرا ببناء كنيسة آيا صوفيا بالقسطنطينية، وصار المثال المحتذى في المساجد، ومن جهة أخرى غاب الصحن أو الرواق الخارجي الذي كان عنصرا ثابتا لأغلب المساجد العثمانية بتركيا ومن جميع الطرز.

المحراب يتوسط هذا المحراب حائط القبلة، ويتكون من حنية غائرة على شكل خماسي شبه منتظم يقدر عمقه بـ: 2.10م بينما يقدر عرضه بـ: 2.25م، يعلو حنيته قبيبة قائمة على قاعدة ثمانية الأضلاع عاطلة عن الزخرفة، يفصل بينهما طنف قليل البروز ذي خطوط مستقيمة، يكتنف الجنية عمودان رخاميان غير مندمجين تماما يحملان عقدا منكسرا متجاوزا أكثر انغلاقا.

والمؤكد أن الزخرفة الأصلية للمحراب طمست تماما واستبدلت بمربعات خزفية حديثة، ولم يبق منها إلا الشمسيات الثلاثة المحرمة التي تعلو إطاره والمصنوعة – كما يبدو من مادة الحص.

المنبر: مازال جامع الباشا يتوفر على منبر – يبدو أنه غير أصلي طوله 2.40م، يصل ارتفاع مقدمته إلى 2.30م في حين يصل ارتفاع مؤخرته إلى 2.70م بينما يبلغ عرضه 0.62م، يتشكل من سنة درجات عمقها 28 سم وارتفاعها 18سم تنتهي باستراحة شبه مربعة أبعادها 58867 سم، ويكتنف سلمه درابزين ترتفع بنحو 28 سم شبيهة بدرابزين الدكة، وللتذكير فإن هذا المنبر يقوم على أربع عجلات يدحرج من خلالها إلى بيت الصلاة كل يوم الجمعة وخلال أيام الأعياد.

المنذنة تقوم في الركن الجنوبي الشرقي للجامع بعيدة بـ: 5.90م عن بيت الصلاة، ذات مسقط أفقي مثمن الشكل طول ضلع قاعدتها 1.40م ويبلغ ارتفاعها نحو 35م .

تصل إلى داخل مئذنة جامع الباشا غير باب اتساعه 1م وارتفاعه 2.03م تواجهه نواة مركزية على هيئة دعامة شبه مربعة مساحتها 1.661.80م، يلتف حولها درج صاعد عکس اتجاه عقارب الساعة عدد درجاته 147 درجة عرض كل منها 80 سم.

غطي الدرج بأقبية نصف أسطوانية تتحول في الأركان إلى أقبية متقاطعة على غرار معظم المآذن الإسلامية، ويوجد أعلى كل بسطة فتحة صغيرة للإضاءة والتهوية، ونصل عبر هذا الدرج الصاعد إلى سطح البرج الرئيسي من باب اتساعه 0.62م وارتفاعه 1.71م، هذا السطح محاط حاليا بسياج معدني حديث يتوسطه جوسق ذو مسقط مثمن طول ضلعه 0.80م وارتفاعه 6.30م، ازدانت أوجهه الثمانية في نصفها العلوي بشريط من المربعات الخزفية.

غطي الجوسق بقبيبة مضلعة تميزت من الخارج بأحاديدها، الأمر الذي لم تلاحظه على باقي قباب الجامع، ثبت في أعلاها سفود ذي ثلاث تفافيح من البرونز ينتهي بهلال، وظهور الأحاديد على القباب ليس بالشيء الجديد، حيث عهدناه في مآذن أخرى، وتذكر هنا أن الممشى الذي يلتف حول الجوسق اتساعه 1.50م.

تغطي أوجه البرج الرئيسي الثمانية زخارف متشابهة قوامها عناصر معمارية وهندسية بسيطة تتوزع على خمس قطاعات زخرفية، القطاع الأول لا يظهر منه إلا وجه واحد فقط لاحتجاب باقي الأوجه خلف البنايات الملتصقة بالمئذنة.

كل واجهة من القطاع يشغلها نطاق (حشوة) مستطيل غائر قليلا عن وجه المئذنة قوامه عقد مصمت نصف دائري ذو فصوص متراكبة متقاطعة) يعلوه شريط من البلاطات الخزفية أما القطاع الخامس فمتوج في أعلاه بشريط من البلاطات أكثر عرضا، ويفصل بين القطاع الثالث والقطاع الرابع طنف بارز يقسم البرج الرئيسي ظاهريا إلى قسمين، عرض هذا الطنف يقدر بـ: 70 سم مما يجعل المئذنة تبدو وكأنها مكونة من ثلاثة طوابق.

وتعتبر المئذنة أهم عناصر المسجد إضافة إلى بيت الصلاة والصحن والمحراب بما ضمته من عناصر معمارية عديدة وما احتوته من زخارف ثرية 43، وتمثل دورها الأساسي – عموما في النداء إلى الصلاة، وقد أعطت للمسجد طابعا جد مميز، بل كان لها معنى ومغزى أوسع من مجرد رمز للحضور، ونادرة جدا في الحالات التي يخلو فيها مسجد من مئذنة، وكانت تضاء بالمصابيح في شهر رمضان عند كل غروب، ثم تطفأ مع طلوع الفجر إيذانا ببدء يوم جديد من أيام الصيام.

وعموما فإن المآذن في الجزائر خلال الفترة العثمانية تعددت أشكالها؛ فنجد المئذنة المربعة والمئذنة المضلعة والمئذنة المركبة..ومن جهة أخرى فقد كانت تزود رؤوس جواسق بعض المآذن بعمود (سارية) ترفع عليه راية خلال مواقيت الأذان نهارا، وفي الليل تستبدل تلك الرايات بمصباح مضيء إعلانا بدخول وقت الصلاة لمن لا يتسنى له سماع الأذان، وهو الأمر الذي تأكدنا منه بالاعتماد على ما ذكره الرحالة الألماني ها بنستريت الذي زار مدينة الجزائر سنة 1145هـ / 1732م حيث قال: …. ففي أذان الظهر يعلق فوق المنارة علم أبيض وبعد منصف النهار (العصر) يعلق علم أخضر، وفي ذات السياق يقول الرحالة الألماني هاينريش فان مالتسان الذي أقام بالجزائر المدة خلال منتصف القرن الثامن عشر: ولا توجد في المدينة (الجزائر) سوى أربعة مساجد حقيقية تقام بها صلاة الجمعة بصورة منتظمة، ويرفع فوق منارتها العلم الأبيض خمس مرات يوميا إيذانا بحلول مواعيد الصلاة، وهذا فعلا ما تبين لنا من خلال رسومات ليسور (Lessore) وويلد (Wyld) حيث تظهر جليا الأعلام البيضاء المعلقة في السرايا، وكان الأمر لا يختلف في باقي المدن حسب ما تعتقد ومنها مدينتي البليدة والمدية ، بالإضافة إلى مدينة وهران حيث تثبت ذلك بعض اللوحات الفنية (رسومات) المنجزة في بداية الاحتلال أين تظهر تلك الأعلام (الرايات فوق جوسق المآذن، أما المصابيح (القناديل) التي كان من المفترض استعمالها ليلا فلم نقف عليها إلا من خلال لوحة واحدة لأحد مساجد مدينة المدية  تضمنها كتاب روزي(Rozet).، غير أن الأمر اللافت للانتباه والذي يجب الوقوف عنده مليا، والذي أعتبره ابتكارا إسلاميا محضا هو الاتجاه الذي أخذه سلم مئذنة الجامع، وهو الاتجاه المعاكس العقارب الساعة، وهذا النظام المعماري عرفته من خلال معايناتنا الميدانية أو حسب علمنا جميع مآذن الجزائر خلال الفترة العثمانية كما عرفته أيضا مآذن بلاد المغرب والمشرق خلال نفس الفترة والفترات السابقة، بل وعرفته أقدم المآذن القائمة على الإطلاق.

ملحقات الجامع: ضم جامع الباشا العديد من الملاحق، ومن بينها حجرة ضيقة تقع يمين المحراب مباشرة كانت مخصصة لوضع المنبر، تأخذ شكل اللام الوسطية المقلوبة، ووجود هذه الحجرة ومساحتها وموقعها هو تقليد كان معمول به في بلاد المغرب الاسلامي، واستمر العمل به حتى خلال الفترة العثمانية، ولا يخرج من حجرته إلا يوم الجمعة بواسطة عجلات، وفي الركن الجنوبي الشرقي من الجامع بين بيت الصلاة والمئذنة بجد ميضأة، وهي تتكون من طابقين؛ طابق أرضي مخصص لسبغ الوضوء وطابق علوي تصله عبر سلم من عدة درجات -يتوفر على العديد من المرشات للاغتسال والكنيفات.

كما توجد في نهاية الرواق الشمالي الغربي لصحن الجامع حجرة تبدو حديثة، ذات مساحة صغيرة تضم بداخلها بئر غير مستعمل حاليا يصل عمقه إلى نحو خمسة أمتار، وبالرغم أننا لا نعرف متى بالضبط بني هذا البشر؛ فالأكيد أنه حفر التزويد الجامع بالماء، الأمر الذي يجعلنا نرجح أن يكون قديما قدم الجامع.

ومن الملاحق الأخرى التي ضمها الجامع غرفة تقع عند نهاية الرواق الجنوبي الشرقي، وهي غرفة ضيقة غير منتظمة الأبعاد تمتد طوليا، ويبدو لنا أن هذه الغرفة ليست حديثة البناء، وقد تكون بنيت بالموازاة مع رواقي الصحن، أما عن وظيفتها فالظاهر أنها استخدمت كمخزن الوضع بعض أثاث الجامع.

كما توجد غرفة أخرى تقع خارج الركن الشمالي الشرقي لبيت الصلاة، إلى الجنوب من الغرفة السابقة ترتفع بنحو 2.50م عن أرضية الجامع، نرتقي إليها عبر سلم من 17 درجة ذات شكل أقرب إلى المربع، أما عن وظيفة هذه الغرفة فلم نقف عليها، خاصة وأننا نعتقد أنها حديثة وليست من الملحقات الأصلية للجامع.

ومن التغييرات والتجديدات التي طالت الجامع: مقارنة مع جامع محمد بن عثمان الكبير الذي مسته تغييرات كبيرة فإن جامع الباشا ولا سيما بيت الصلاة حافظ على جانب كبير من أصالته، ولم يطله التغيير إلا في أجزاء محددة، ومن أبرزها المدخل الواقع على يمين مدخله الرئيسي، والذي يكون قد أضيف في السبعينيات من القرن الماضي حسب ما أكده قيم الجامع، وداخل الصحن تم حفر بئر في أقصى الرواق الأيمن ثم سور بجدارين، وفتح باب في الجدار المقابل للصحن.

كما أضيفت ميضأة حديثة في الركن الجنوبي الشرقي خلف بيت الصلاة وهي ملتصقة تماما بالمئذنة، يتكون القسم الأيمن منها من طابقين اثنين، وعلى العموم فهذه الميضأة بنيت بطريقة جد بسيطة بحيث لا تتناسب والشكل المعماري للجامع ككل.

وداخل بيت الصلاة لم يمس التغيير تقريبا إلا المحراب وواجهته الخارجية واللتان ليستا ببلاطات حديثة، إلا أن أهم تغيير حدث وبعد البحث والتدقيق في المخططات والرسومات القديمة هو الصحن وما يتصل به من المدخل الرئيسي الحالي والنافورة وغيرهما، وما ترتب عن ذلك من إزالة لبعض ملحقات الجامع الأصلية كالرواق الجانبي والميضأة اللذين كانا يتقدمان بيت الصلاة، وهي تغييرات حدثت في بداية الاحتلال.

نقلا عن: بوتشيشة علي، جامع الباشا بوهران، مجلة عصور الجديدة، المجلد 7, العدد 27, ص 180-202، سنة 2017.

https://asjp.cerist.dz/en/article/46869

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى